
25.05.2008
أصدرت اللجنة المركزية الحزب الشيوعي السوري في 9 أيار 2008 بيانا للرأي العام العالمي باللغة العربية، تطرقت فيه إلى العديد من المشاكل الدولية والسياسات العالمية، وتنقلت من نقطة ساخنة في العالم إلى نقطة أخرى، ومن قضية عالقة إلى قضية أخرى، فتحدث البيان عن التحالف الامبريالي الصهيوني السعودي الذي "يريد انتزاع لبنان من الوسط العربي لزجه في خدمة مصالحه الامبريالية"، وكأني بهذه القيادة الشيوعية تلمّح إلى خطورة أي اتفاق يعيد للبنان توازنه واستقراره وتقدّمه وسلامه، ومجّد الشيوعيون كعادتهم ب"المقاومة العراقية" دون أن يحددوا من يقودها، حيث يبدو وكأنهم يقفون في هذا الخندق مع "القاعدة" و"قاطعي رؤوس البشر من "الجهاديين!"وبقايا البعثيين وغيرهم، اذ لم نسمع حتى اليوم بتنظيم شيوعي "جهادي" أو "مقاوم أحمر" في العراق، يرى الشيوعيون أنفسهم ملزمين بدعمهم..
وذكر البيان كل مساوىء "المجرم الأكبر جورج بوش" في أفغانستان والعراق، دون أن يقولوا كلمة واحدة عن النظامين السابقين الحاكمين في هذين البلدين من قبل، كما تطرّق البيان إلى محاولات الامبرياليين لبث أفكار "التمرّد في التيبت ودارفور" وتشجيعهم لانفصال شعب كوسوفو عن صربيا، في حين أظهر الحزن والأسى لما تلقاه ثقافات الأقليات القومية في دول البلطيق وأكرانيا من اضطهاد، والتدخلات الامبريالية من أجل كبح جماح نزعة التحرر والخلاص في جنوب أوستينيا وأبخازيا، وساند بقوة العمليات الاستشهادية البطولية للشعب الفلسطيني في غزة، دون أن ينسى العودة إلى العلاقات الأخوية العميقة الجذور مع دكتاتورية كاسترو الهرمة والفاشلة اقتصاديا إلى درجة تجويعها الشعب الكوبي، والهجوم الساحق على "مشروع الشرق الأوسط الكبير"الذي من حلقاته بناء تحالف أوروبي – أوسطي ينخرط فيه الاسرائيليون والعرب وسائر الشعوب التي تطل بلدانها على البحر الأبيض المتوسط، وبذلك تجد اسرائيل نفسها ضمن الاطار العربي وتحقق حلمها ذاك عن طريق شراكة أوربية...و..و...و...
وهكذا هم الشيوعيون في كل مكان، يحلقون بطائراتهم الشراعية الأسطورية فوق القصور العالية والبلدان البعيدة، يتشدقون بالكلام العظيم عن الثورة على الامبريالية والصهيونية والرجعية، ولكنهم أرانب تنسى ما حولها من مشاكل، وبخاصة إن كان الحديث عنها قد يكلفهم عناء المساءلة لدى أقسام التحقيق السياسي... فهل نسي الشيوعيون السوريون أم تناسوا عن قصد العلاقات السورية – التركية الحميمة التي تجري في ظلها محادثات سرّية وشبع علنية بين دمشق وتل أبيب، فلم يتطرّق بيانهم هذا إلى مايجري في تركيا، وهي بلاد لها حدود تزيد عن الألف كلم مع سوريا وتستولي على جزء من أراضيها تدعى بلواء الاسكندرونة؟ كما أنها بلد هام في أكبر حلف امريكي – أوروبي في العالم ألا وهو حلف الناتو، وتمارس سياسة قمعية أقل ما يمكن القول عنها بأنها "متشددة وناكرة" ضد القومية الكوردية وثقافتها، وهي ثاني قومية في البلاد، بل إن تركيا في حقيقة الأمر بلاد يتقاسمها الترك والكورد والعرب وغيرهم من حيث التوزّع السكاني، وليست بلادا تركية خالصة كفرنسا بالنسبة للفرنسيين أو ألمانيا بالنسبة للألمان...
هل نسي الشيوعيون السوريون ما يجري في ايران التي تتمتع بعلاقات ممتازة مع سوريا، وتصل الأخبار منها مباشرة أو بشكل غير مباشر كل يوم إلى الداخل السوري، فلا يسمع الشيوعيون أنباء الممارسات الوحشية والتعذيب اليومي للعديد من المفكرين والمثقفين والشعراء والمعارضين لنظام الملالي ويتم اعدامهم علنا في الشوارع أو قتلهم تحت التعذيب، كما لايرى الشيوعيون ما تقوم بها كتائب التقتيل الطائفي الفارسية في اقاليم كوردستان وعربستان وبلوجستان ضد القوميات المطالبة بحريتها وضد ثقافاتها القومية، في الوقت الذي يرون فيه النضالات البطولية لشعوب وحكومات دول أمريكا اللاتينية ضد الهيمنة الأمريكية وكذلك الشبكة الصاروخية الآسيوية للولايات المتحدة في دول الاتحاد السوفييتي المنهار، وما يحدث لثقافات القوميات الصغيرة في دول البلطيق البعيدة؟...
وأخيرا: كيف لايسمع ولايرى الشيوعيون السوريون ما يحدث من تقتيل منظم للوطنيين الكورد في سوريا نفسها، وتهجيرهم من مواطنهم في الجزيرة عن طريق تنفيذ مشاريع عنصرية جديدة وفرض أتاوات ثقيلة على كواهلهم وممارسة سياسة عنصرية ممقوتة بحقهم على كافة المستويات الرسمية في البلاد وبموجب خطة استيطانية بعثية معادية لكل ما هو كوردي؟ لماذا يرون شعوب أبخازيا ودارفور وأكرانيا التي تبعد عنهم آلاف الكيلومترات ويغضّون الطرف عما يجري للشعب الكوردي الذي لهم بينه مئات الكوادر الحزبية واستندوا إلى طاقاته في نضالاتهم عبر العقود الطويلة من الزمن، منذ تأسيس حزبهم وإلى يومنا هذا؟...
لاتؤاخذوني إن قلت: "هذا البيان كالعديد من البيانات السابقة لهذا الحزب ليس إلاّ محاولة استغباء فاشلة للشعب السوري، وبصراحة: الحزب الشيوعي السوري منذ انخراطه في ما يسمى ب"الجبهة الوطنية التقدمية!" في سبعينات القرن الماضي لم يعد حزب البروليتاريا والمستضعفين، وانما مجرّد تشكيلة من تشكيلات النظام البعثي القائم على فكرة العنصر الواحد واللغة الواحدة في البلاد، وهو مجرّد واجهة لاظهار التعددية الزائفة في هذه "الجبهة!"التي ليست سوى ظل لهذا النظام... أم أن الشيوعية تسمح للشيوعيين استثناء نضالات التحررية للشعوب الايرانية والأمة الكوردية في كفاحها من أجل الحرية وحماية ثقافاتها القومية من بين نضالات الشعوب في العالم وتقبل برميها في سلّة المهملات؟.
والغريب أن الحركة الوطنية الكوردية لاترّد على هكذا شيوعيين، حتى ولو ببيان لفت انتباه ونظر...
الثلاثاء, 27 مايو, 2008
أضف تعليقا








أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية