-
لافا خالد
يمكن اعتبار العلاقات العربية الكردية نموذجا للعلاقات بين شعوب منطقتنا ، فالعمق التاريخي والمشترك الذي يتضاعف تشكله ويعاد صياغته عبر أحلام هاتين الأمتين كانتا اصلب وأكثر نقاءً من بعض صفحات التاريخ المعمد بالدم المستباح والغاز الكيمياوي المتعدد الجنسيات التي حاولت الأنظمة الشوفينية رسمها في لوحة تلك العلاقة ، ويمكننا سرد عشرات الأمثلة التي تؤكد على إن الحوار بل والتخندق دينا و فكرا وثقافة ونضالا كانت السمة الغالبة في بانوراما علاقة الشعبين، ويعتبر الزواج احد مفردات تلك العلاقة التاريخية التي تبقى في حاضرها شاخصا وشاهداً حياً بالرغم من الألغام التي وضعت في فضاء علاقة تبحث عن مشتركات إضافية في عالم يتوحد عبر الحوار والتجاور .
الزيجات العربية الكوردية ... حوافز وألغام لم تنفجر
العمق التاريخي والحضاري في امتزاجها وتجاورها وحوارها بين شعبين عريقين كالشعب العربي والكوردي جعل من الزيجات بينهما قديمة قدم الحضارات وعميقة بعبق التاريخ الذي أصبح خطوط فصله أشبه بسراب زمني لا يمكن الإمساك به وبالأخص في العصر الإسلامي بعد أن تحولت كوردستان إلى البوابة والخطوة الأولى صوب طريق الحرير الذي كان طريقا لنشر الدين الإسلامي باتجاه العمق الآسيوي ، كل تلك الأسباب إضافة للدخول المبكر للكورد في الدين الإسلامي وما حمله هذا الدين من محددات وشروط للزواج جعل من الزيجات الكوردية العربية أكثر قبولا في العرف الاجتماعي وخاصة بعد تعاظم الدور الايجابي للكورد في التاريخ الإسلامي ، فعلى سبيل المثال يمكن اعتبار الحملات الصليبية المتعاقبة التي بدأت حملتها الأولى في 1096 - 1099 وما أعقبها من دور كوردي تحرري لحواضر المدن الإسلامية بقيادة الناصر صلاح الدين الأيوبي (ولد 1138 - 1193م) الذي أسس الدولة الأيوبية التي حكمت اغلب الدول العربية آنذاك نموذجا للتأثير الديني ودوره في صنع التاريخ ومن ثم خلقه لحوافز جديدة لانتشار الزيجات بين العرب والكورد .ان العامل الديني كان و مازال مؤثرا ايجابيا بتشجيع الزيجات المختلطة رغم كوابح انتشار المذهبية واتخاذها أشكالا سياسية في بعض أجزاء الوطن العربي خاصة في وقتنا الحالي ويمكن إبراز السيرة النبوية الشريفة نموذجا يقتدي به المسلمين في تعاملهم مع موضوع الزواج فحض الإسلام على زواج ابناء الطوائف ومن الأديان الأخرى والقوميات المختلفة ورب العزة خلق الناس شعوبا وقبائل وأورد ذلك في آية قرآنية مؤثرة ورسولنا الأكرم تزوج من قوميات وديانات مختلفة وهذا جعل موضوع الاقتران بالملل الأخرى مسالة مقبولة عند المسلمين ومنهم العرب والكورد على حد السواء
أما المد الثاني والحافز الإضافي للزيجات المختلطة بين الشعبين فيمكننا الإشارة إلى ظهور الفكر اليساري في المنطقة ، فعلى سبيل المثال انتشر الزيجات المختلطة في العراق بين الكورد والعرب من حملة الفكر اليساري وخاصة فترة النضال الأنصاري ( الكفاح المسلح ) في كردستان ضد الحكومات المركزية التي كانت تقمع الشعبين وان كان قمع الكورد مضاعفا ، وفي هذا المجال يمكننا سرد المئات من هذه الزيجات ومنها زواج الشخصية المعروفة الدكتور منذر الفضل وهو عربي – شيعي من الحقوقية والكاتبة كوردة أمين وهي كوردية - سنية والكاتب والروائي المعروف يوسف أبو الفوز وهو عربي شيعي من المناضلة شادمان فتاح وهي كوردية - سنية.
أما العامل الايجابي الثالث فيمكن حصره بفكرة المواطنة وانتشارها والتي تترسخ عندما يعتبر مواطني البلد الواحد بنفس الدرجة دون وضع تراتيبية للشعوب التي تسكن البلد الواحد ، وهنا يمكننا القول ان مفهوم المواطنة قد أصابه تصدع كبير بعد أن حاول البعض جعل الكورد مواطنين من الدرجة الثانية وهنا لابد من الإشارة إلى إن مصادرة الهوية الوطنية لعشرات آلاف من الكورد في سوريا يمثل ألغاما وأسلاكا شائكة تقف بالضد من المشاعر الصادقة لحب مشروع يجمع العديد من الشباب والشابات العرب والكورد .
أما العولمة والياتها المتشابكة فإنها ستخلق ظروفا ايجابية لانتشار ظاهرة الزيجات المختلطة بين الشعبين لأنها ستخلق فضاء وعمقا موحدا في منطقتنا ولا يمكن تصور هكذا فضاء دون أن يكون للعرب والكورد فيه الدور المهم والفعال .
إذا يمكننا حصر العوامل التي شجعت على انتشار الزيجات بين الكورد والعرب بعوامل يمكن حصر أهمها بـــ:-
1- تداخل وتجاور الحضارات العربية والكوردية وما نتج عنها من منظومة عادات وتقاليد وقيم تتشابه حد التطابق
2- الدين الإسلامي
3- الفكر اليساري
4- العولمة كنتاج طبيعي للتطورات البنيوية في مجالات العلم و الاقتصاد و الفكر والقيم والمفاهيم .
ولكن ما هي العوامل التي تقف بوجه الزواج بين شباب وشابات الشعبين؟
يمكننا القول إن سياسات الصهر القومي وهي نتيجة حتمية للفكر الشوفيني الذي يرفض وجود الأمة الكوردية ناهيك عن الإيمان بحقها الطبيعي بتقرير مصيرها كان احد اكبر الحواجز التي عملت على اغتيال عواطف ومشاعر الحب بين الشباب والشابات من الكورد والعرب ، فعلى سبيل المثال وفي الوقت الذي كانت تنتشر الزيجات بين الكورد والعرب في جبال كوردستان العراق بين الأنصار والنصيرات فان تراجعا لتلك الزيجات قد حدثت في المدن العراقية وبالذات اثر إصدار النظام العراقي السابق قوانين وقرارات تشجع الزواج بين الطرفين بغرض صهر الكورد كما فعل الفرنسيين في الجزائر عبر سياسات الفرنسة ، ولكن انتهاء حقبة يعتبرها اغلب العراقيين اشد الفترات ظلما وظلاما قد فتح الطريق ومهد الأجواء لتقبل فكرة الزواج المختلط من جديد ، فعلى سبيل المثال إن عضو البرلمان العراقية و النائبة عن القائمة العراقية صفية السهيل ،وهى عربية - شيعية تفخر بكونها "تمثل الوحدة العراقية بكل أطيافها" ،وتقول إنها " متزوجة من الدكتور بختيار محمد أمين ، وزير حقوق الإنسان الأسبق ، وهو كردي سني
وتستطرد " لا ضير من الزواج المختلط ما دام الزوجان متفهمين ومتفقين على أن حياتهما يجب أن تسودها المحبة والتفاهم"، مؤكدة إن "الخلافات بين الطوائف والقوميات لا تشكل عائقا أمام الحب الذي يجمع الزوجين ..أضف إلى ذلك الأولاد الذين سينشرون رسائل الترابط والعلاقات العائلية بين مختلف العشائر والقوميات .
أما في سوريا فإننا نشهد تراجعا لحالات الزواج المختلط مع كل حدث ينتج عنه نزف الدماء البريئة للمواطنين وبالأخص الكورد منهم ، في حين نرى انتعاشا لتلك الحالات من الزواج مع كل انفراج أو إقرار ببعض الحقوق القومية للكورد وان كان على صعيد الخطاب السياسي .
إن انتشار الزيجات العربية - الكوردية لا يعني عدم وجود حالات رفض أو معارضة ولكن هذه الحالات ليست من منطلقات قومية بحتة ، فعلى سبيل المثال إن وجود بعض أقدم الديانات بين الكورد والعرب ورفضهم للزواج من الآخر لا يمثل حاجزا أو رفضا قوميا للزواج بين العرب والكورد لان تلك الديانات كالمندائية ( الصابئة ) بين العرب والايزيدية بين الكورد هي ديانات تؤمن بالزواج بين أفراد دينها بل وفي تسلسل هرمي تراتيبي ضمن الدين ذاته .
الزواج المختلط .. الايجابي والسلبي
رغم ما تركه رسولنا المصطفى صلى الله عليه وسلم من حديث واضح بمخاطر الزواج بين الأقارب (اغتربوا وتضووا) فان مجتمعاتنا اقتنعت حديثا بان الزواج بين الأقارب يخلف نسبة كبيرة من حالات التشوه الخلقي عند الولادة ، أما في الغرب فأنهم وصلوا إلى نتيجة مفادها إن الزيجات بين ألاجناس والأعراق المختلفة يؤدي إلى ولادات أكثر قوة في جمعها للعوامل الجينية المنتخبة للطرفين مستندين على إحصائيات تؤكد على إن نسبة التشوهات الخلقية في الدول الاسكندينافية التي كانت منعزلة عن العالم عبر تاريخها مقارنة بدول الجنوب الأوربي الذي امتزج حضاريا بالشرق وأفريقيا .
إذن الزواج بين الشعوب المختلفة يخلق جيلا أكثر قوة ويجمع الصفات المنتخبة للطرفين ناهيك عن جمعها لمورث ثقافي وحضاري ومجموعة القيم والعادات التي يشترك بها الزوج والزوجة ، إن الزيجات المختلفة يجعل من الأطفال قادرين على تعلم لغتين وبطلاقة في ذات الوقت و يجعلهم وارثين لمزيج ثقافتين تتوحدان.
إن الجوانب الايجابية للزيجات المختلطة لا يعني إنها لا تخلف مشاكل قد تكون معقدة وبالأخص في مجتمعاتنا التي مازلت بعيدة عن فكرة قبول الآخر وعدم تقبل اغناء الثقافة الوطنية من خلال إبراز الثقافات القومية للشعوب الأخرى ، فعلى سبيل المثال قد يفرض الرجل وبحكم تركز السلطة بيده لغته وثقافته على الطفل وهذا يؤدي إلى خلق فجوات بين الزوج والزوجة ومن ثم احتمال الانفصال بينهما ، إن مجتمعاتنا التي مازالت محكومة بفكر وقوانين العرف والعادات الموروثة من الفكر القبلي ( العشائري ) يجعل من الزيجات المختلطة معرضة لهزات عميقة مع كل خلاف أو اختلاف بين قوميتي الرجل والمرأة وبالأخص إذا ما رافق ذلك قوانين مشرعة من قبل حكومات تعبر عن الفكر الشوفيني ، فعلى سبيل المثال ففي فترة الحكم العراقي السابق أصدرت الحكومة العراقية قوانين تفرض على الضباط العرب تطليق زوجاتهم إن كن من الكرديات الفيليات
خاتمة القول يبقى موضوع زواج الكرد والعرب من الملفات الشائكة التي لن تحسم إلا بالعودة لقواعد الدين الإسلامي الحنيف الذي يستند على الدين أساسا لاختيار شريك الحياة لا على مذهب أو ملة أو قومية وكلها عند ربنا فان








أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية